02 اغسطس 2007 - 05:56 مساء
الثلاثاء 11 يوليو
لم يغمض لى جفن الليلة الماضية.
أخذت أقلب الاحتمالات المختلفة فى ذهني و أنا بين همين ، همي الشخصى وهل ستستمر حياتى هنا فى مصر ، وهم أعم في هذه المأساة التى أشهدها تتفتح صفحاتها أمامي و لا أستطيع دفعها أو التأثير في مجراها. لقد كنت خلال السنوات القليلة الماضية أعلق آمالاً على الحكومة الإنجليزية الجديدة باعتبارها أول حكومة ليبرالية وكنت أتصور رئيسها ويليام جلادستون سيكون معبراً عن الأفكار الليبرالية التى كانت تمثل لي آمال الطبقة المتوسطة التى أنتمي إليها و التى تصورت أن صراعها الأساسى سيكون مع السلطة الملكية المطلقة والأرستقراطية الفاحشة من ملاك الأراضي فإذا بى أشهد صراعا غير متكافئ بين جيوش هذه الحكومة الليبرالية و بين أمة مستضعفة مسالمة تظهر كل علامات الود و المسالمة حتى مع من يتربصون بها الدوائر. عندما أرى الآن الاستكبار يقطر من كلمات الساسة الذين تطير أسلاك التلغراف كلماتهم شرقاً وغرباً ، لا أستطيع أن أتفهم علاقته بالليبرالي الذى يعنى التفتح و يعنى رحابة الأفق الفكرى و يعنى قبل هذا و بعده الحرية و الاختيار للشعوب. و ها هى اجلترا قد رمت بثقلها السياسى و العسكرى خلف سلطة ملكية مطلقة و ناصبت العداء لحركة وطنية تسعى لاسترداد حق الشعب في اختيار مصيره وقادته. لقد أصابنى ما أرى الآن بالإحباط والارتباك الفكرى ولم أجد له إلا تفسيراً واحداً مقبولاً وهو أن هؤلاء الليبرالييين عندما يكونون فى موقع السلطة يكيلون بمكيالين ، مكيال لأنفسهم و شعوبهم و مكيال لغيرهم من شعوب الأرض. ولو صح هذا التفسير فبئس الفكر السياسى و بئست الإنسانية.
عزمت أمري على التجول فى الإسكندرية هذا الصباح إلا أنى سمعت دوى تفجيرات هائلة من جهة غرب المدينة فى السابعة صباحا فنزلت و ركبت عربتى بعد تلكؤ سائقها الذى حاول نصحى بعدم مغادرة البيت ، كان صدى خطوات الفرس التى تجر عربتنا يعكس خلو الطرقات تماما من المارة بعد أن استولى الخوف على الأهالى و على البقية القليلة من الأجانب التى ظلت فى المدينة. كان صوت الانفجارات مستمرا و كلما اقتربنا من جهة الغرب أحسست أن القذائف يزداد تركيزها. سألت نفسى مرة بعد مرة : ما هى الدواعى الانسانية التى تبرر نقل الخراب و الدمار إلى هذه المدينة الجميلة الوادعة.
كان من الواضح لى أن الأميرال سيمور قد شن هجومه أولا على غرب المدينة حيث توجد أقوى الاستحكامات العسكرية فى حصن مريوط والمكس و الفنار ورأس التين ، وفى كل من هذه الحصون توجد مدافع " آرمسترونج " وهى المدافع الوحيدة التى يمكن لنيرانها أن تصل إلى البوارج الانجليزية. أما سائر المدافع فكانت مدافع صغيرة ومدافع هاون لا يمكن أن تؤثر فى دروع السفن الانجليزية.
وصلت إلى العجمى فى حوالى الثامنة والنصف وصدمنى هول ما رأيت من أشلاءعشرة من الجنود على الأقل على قواعد المدافع. كانت القذائف قد هدأت ثم لم تلبث أن وصل دويها من شرق المدينة. تلطخت سلالم البطاريات بدماء القتلى و الجرحى و رأيت نفرا من الأهالى بينهم بعض النساء يسعفون المرضى و يحملونهم إلى مستشفى قريب. أحاطت بى نظرات غاضبة و ساخطة واندفع أحد الجنود و جمع قميصى فى قبضته و انتهرنى : ماذا تريد ؟ . سارع أحد الضباط – و كان يعرفنى – و صاح : هذا المسيو صديق المصريين.
نزلت صيحة الضابط على قلبى برداً و سلاما ، و تركنى الجندى و تراجع إلى مكانه. أقبلت على هذا الضابط متسائلاً : ماذا حدث ؟
قال : كما ترى. حجم النيران أكبر بكثير من قدراتنا. حتى مدفع الآرمسترونج غير مجهز بالمسطرة اللازمة لتحديد مرماه. لقد تم احضار مسطرة أمس فقط من القاهرة و أرسلت إلى حصن الفنار. عندى هنا خمسة و سبعون رجلا ، قتل منهم هذا الصباح أربعة عشرا و حوالى ثلاثين جريحا. لو استمر هذا القصف بهذه الكثافة فسيقضى بالكامل على حامية السواحل كلها وعددهم سبعمائة رجل. لو كنا بدأنا القصف ربما قللنا بعض الخسائر ، لكن كانت عندنا أوامر صارمة بألا نرد على نيران العدو قبل أن تصلنا ثلاث دورات من قذائفهم.
رأيت خارج الحصن عشرات من جنود المشاة الذين تم توزيعهم على الحصون للمساعدة. وظهر أنهم لا حاجة لهم فى هذا التبادل المدفعى. كان يوجد بالإسكندرية اثنى عشر ألفا من جنود المشاة ولكن هذا النوع من القتال لم يسمح لهم بأي دور. ولم أفهم سبب تفريقهم و بعثرتهم على هذه الصورة ونزول القوات الإنجليزية إلى البر لا شك فيه.
عرفت أن عرابي باشا و باقي الوزراء موجودون فى طابية كوم الدماس للإشراف على مواقع القتال. توجهت إلى هناك و مررت فى الطريق بعدة مبانى قد تهدمت ، كما شاهدت سحب الدخان تتعالى من جهة رأس التين و التي يبدو أن مبان فيها قد اشتعلت فيها نيران كثيفة. ووصلت فى حدود الساعة الثانية عشرة ظهرا. كانت الكآبة تعلو وجوه جميع المسئولين. كان حجم الدمار أقل من العجمى ولكن عددا من القتلى و الجرحى غطى المكان. كان من بين الجرحى سليمان أباظة باشا وزير التعليم و قد أشفقت عليه و الدماء تنزف من ساقه و قد تخطى الستين من عمره.
رأيت عرابى باشا يغطيه الخجل و الاحساس بالفشل ، رغم أن كل الوزراء كانوا يلتمسون له العذر فى تفوق الأسطول الانجليزى الظاهر. عندما حانت لى فرصة للحديث مع عرابى باشا سألته عن السر وراء الأوامر الصارمة للحصون بعدم الرد إلا بعض أن تصلها بعض إصابات البوارج الانجليزية فقال : أردنا ألا يشاع عنا أننا بدأنا بالعدوان. سألته عن تصوره للأيام القادمة فقال : سنستمر فى أداء واجبنا. رأيت أن الرجل لا يملك رؤية سياسية تتناسب مع حماسته الوطنية.
فى الثالثة عصرا وصل مندوب للخديوى يأمر الوزراء بالحضور إلى سراى الرمل للاجتماع به وبدرويش باشا المندوب السلطانى و أن ينشر راغب باشا رئيس الوزراء أوامره بإعلان الأحكام العرفية فى البلاد. قبل أن ينصرف الحضور ، وصل محمود سامى البارودى باشا من القاهرة ليشد من أزر إخوانه.
بعد انصراف الوزراء بقليل ، عادت القذائف لتمطر الحصن المتهالك و ظل هذا القصف بلا انقطاع حتى الساعة الخامسة ثم سكت فجأة و سكتت معه جميع أصوات الانفجارات التى كانت تصل إلى مسامعنا من أرجاء المدينة. اتضح أن أوامر قد صدرت للأسطول الانجليزى بإنهاء العمليات على الأقل لهذا اليوم.
خرجت إلى الشارع هائما على وجهى لا أقصد مكانا محددا. واختلط فى قلبى الحزن بالغضب بالارتباك فى تفسير ما يحدث.
لقد كانت مجزرة وحشية لا موجب لها ولا مبرر ولم يكن الهدف منها إلا الشهوة الوحشية المتعطشة للدماء ومن ورائها الرغبة الاستعمارية العارية من المشاعر الانسانية. و كنت أتوق إلى أن أسأل أولئك الذين كانوا يدكون المدينة و يطلقون مدافعهم هل يستطيعون حين يعودون إلى بلادهم ويتحلقون حول موائد الشاى فى بيوتهم أن يتحدثوا إلى ذويهم عن تلك المجزرة البشرية من الفتك و التخريب و الدمار ؟ فأية إهانة تلحق اليوم بالأمة الانجليزية حين تثأر من مصر على هذه الصورة الفظيعة ؟
ما أروع منظر الرماة المصريين بأجسامهم النحيلة و سواعدهم المنهكة و هم خلف مدافعهم المكشوفة و كأنهم فى استعراض حربى لا يخافون الموت الذى يحيط بهم و قد رأيت معظم الحصون بلا حواجز تحميها و بلا متاريس و مع هذا فقد رأيت هؤلاء البواسل من أبناء النيل خلال الدخان الكثيف الذى لف رأس التين و من بعده طوابى المكس و قايتباى و السلسلة ، رأيتهم و كأنهم أرواح الأبطال الذين سقطوا فى ساحة الموت و كأنهم قد بعثوا من جديد ليناضلوا و يواجهوا نيران المدفعية.
و قد مر معى بعض قادة الحامية مع عرابى باشا يستحثون الرجال و قد أدى الجميع واجبهم و لم تكن ثمة أوسمة أو مكافآت تستحث أولئك البسطاء من الجنود و الأنفار و الفلاحين على أداء واجبهم و إنما كانت تستحثهم العاطفة الوطنية الدافقة و الثورة على الفظائع التى استهدفتهم بها البوارج الانجليزية.
لم أعد إلى بيتى إلا بعد أن انتصف الليل ، و علمت لدى عودتى أن الخديوى و وزارته قرروا عدم الرد على النيران الانجليزية فى صباح الغد و أن ترفع الحصون الرايات البيضاء علامة الاستسلام و كطلب مباشر للكف عن القتال بعد أن تحقق لسيمور غرضه فى تخريب الاستحكامات و تعطيل المدافع.
عندما سمعت بهذا التنازل عرفت أن سيمور لن يقبله ، وأنه سيتمادى فى غطرسته وسيطالب بالمزيد. لم أستطع أن أقاوم النوم أكثر من هذا.
الأربعاء 12 يوليو
استيقظت فى السابعة صباحاً على أصوات دورة جديدة من القذائف التى أمطرت كل نواحى الإسكندرية و تساقط العديد منها على المبانى السكنية المجاورة لنا مباشرة.
لما خفت حدة القصف فى الحادية عشرة خرجت باتجاه الباب الشرقى ووجدت ازدحاماً شديداً بالأهالى الذين يحاولون الفرار من الإسكندرية ورأيت فيهم بعض الجنود الفارين الذين هدهم الفشل عندما رأوا الأمر برفع الرايات البيضاء و الكف عن القتال ، و مع هذا رأوا استمرار القصف فوق روؤسهم.
توجهت بعد ذلك مشيا إلى مبنى المحافظة ووجدت هناك طلبة باشا عصمت وقد عاد لتوه مما كلف به بمقابلة سيمور وطلب كف القتال منه بعد رفع الرايات البيضاء إلا أن سيمور رفض طلب الحكومة المصرية وأصر على مواصلة القصف ، بل ورفض حتى مقابلة الوفد الحكومى وسمح لمساعد له بمقابلته وإبلاغهم بقرار الرفض.
فى هذه الليلة أعتمت الدنيا فى قلبى و قلوب المصريين.
الخميس 13 يوليو
جمع عرابى باشا بقايا قواته و توجه بهم صوب كفر الدوار أملاً فى إعادة تجميع جيشه و اتخاذ حصون و متاريس على الأرض تمنع الانجليز من الوصول إلى عاصمة البلاد. فكرت طويلاً أن ألحق بعرابى باشا لأحذره من هذا الخطأ الجسيم بالإنسحاب بلا أى داعى و ترك الإسكندرية للإنجليز ليستولوا عليها بدون أدنى مقاومة. ترددت وآثرت ألا أقوم بهذا نظرا لوضعى الحساس فى جالية بلادى. و لكنى شعرت بالغضب الشديد لهذه الخطوة المتعجلة ولهذا الانهيار السريع الذى لن يصدقه الانجليز أنفسهم.
كما أرسل عرابى باشا قطار الخديوى ليحمله و أسرته وحاشيته إلى القاهرة إلا أن الخديوى رفض وقرر العودة إلى سراى رأس التين و التى كانت سبقته إليها قوة صغيرة من الشرطة العسكرية الانجليزية لتقوم على حمايته.
سقطت مصر اليوم فعليا فى أحضان و أنياب الاستعمار الانجليزى.
السبت 15 يوليو
اجتمع بنا قنصلنا و قرر بقاء القنصلية على ما هى عليه وأن تبدأ فى التعامل مع الواقع الجديد ، وقررت الاتصال بالأميرال سيمور لاستطلاع نوايا الانجليز فى مصر.
قررت لنفسى أن أعيش فى مصر ما تبقى لى من عمر.
فى المساء بلغنا خبر مؤسف للغاية بأن الخديوى اكتشف قطارا محملا بالدقيق من مخابز منطقة القبارى متوجها للجيش فى كفر الدوار فاحتجزه و قرر صرفه للجنود الانجليز فى الإسكندرية.
الأحد 16 يوليو
طالعت الصحف الصادرة الأحد الماضى فى انجلترا وفرنسا فلم أجد أى اشارة و لو من بعيد عن احتمالات غزو مصر. تمنيت أن لو بإمكانى مطالعة الصحف التى صدرت اليوم فى أوروبا و التى لن تصلنا هنا قبل مساء السبت القادم.
بلغنا أن عرابى باشا ناشد الأهالى بالتبرع للجيش المصرى وبفرض ضريبة مؤقتة ، واندهشت للأخبار التى تواردت بوفود آلاف الأهالى على كفر الدوار والقاهرة بالتبرعات من الأغنياء و البسطاء ، ومنهم أم الخديوى الراحل اسماعيل التى تبرعت بجميع خيول عرباتها و تبرع الأهالى بالأقمشة و الأطعمة و أظهرت لونا فريدا من النخوة و الشهامة الفطرية.

السبت 22يوليو
تفاقمت الأزمة اليوم بين الخديوى وعرابى وبلغت آفاقاً جديدة فقد عُقِد اجتماع في وزارة الداخلية، حضره نحو أربعمائة من الأعضاء، يتقدمهم شيخ الأزهر وقاضي قضاة مصر ومُفتيها، ونقيب الأشراف، كما حضره أيضا بطريرك الأقباط، وحاخام اليهود والنواب والقضاة والمفتشون، ومديرو المديريات، وكبار الأعيان وكثير من العمد، فضلا عن ثلاثة من أمراء الأسرة الحاكمة. و نظرة سريعة على الحضور تبين أنهم يمثلون تقريبا كل طوائف الشعب المصرى. ترأس الاجتماع وكيل وزارة الداخلية.
وفي هذا الاجتماع الغير مسبوق أصدر كبار شيوخ الأزهر قرارا دينيا ( فتوى ) باعتبار الخديوى مارقا من الدين و ذلك لانحيازه إلى الجيش الانجليزى المحارب لبلاده و قد وقع على هذا المرسوم الدينى الشيخ "محمد عليش" و"حسن العدوي"، و"الخلفاوي" و هم قادة الأزهر كما أصدر المجتمعون قرارا بعدم عزل عرابي عن منصبه، ووقف أوامر الخديوي ونظّاره وعدم تنفيذها؛ لخروجه عن الشرع الحنيف والقانون المنيف. و اتفق الحاضرون على إرسال لجنة يترأسها على باشا مبارك إلى الإسكندرية ليبلغ الخديوى بقرارات هذه " اللجنة العرفية " ، و لترى اللجنة إن كان الخديوى و الوزراء أحرارا من سيطرة الإنجليز فليأتوا إلى القاهرة.
عندما جرت عيناى على محضر الاجتماع فوجئت بانتهاء الكلام. أعدت القراءة مرة أخرى فلم أجد ما كنت أتوقعه من عزل الخديوى و اعلان عرابى – أو غيره – حاكما للبلاد. كنت أتصور أن هذه خطوة طبيعية جدا بعد كل هذه القرارات ، لكن توقف المجتمعون عند هذا الحد لسبب لا أفهمه ، ولا أتوقع أن أفهمه فى المستقبل. ولقد حاورت عرابى منذ شهرين تقريبا عن علاقته بالخديوى ، فوجدته حانقا على تصرفات الخديوى وشاكا فى ولائه لمصلحة البلاد ، ولكنه عنده حاجز نفسى لا يستطيع أن يتخطاه فى مهابة الخديوى و توقيره و من ثم طاعته.
أنصاف الحلول دائما أسوأ من الحلول الخاطئة. إننا الآن نرى فى مصر سلطتين و معسكرين و حكومتين. إن هذه وصفة لفوضى عارمة ستضر بالبلاد و هى فى ذاتها أسوأ من الاحتلال الإنجليزى القادم لا محالة.
كذلك لم أجد معنى لغياب عرابى باشا عن هذا الاجتماع الخطيرو عدم انتقاله من كفر الدوار للأسبوعين الماضيين. إن فكرة الحصول على تفويض شعبى فكرة ممتازة ، و لكن ترك المجتمعين هكذا بصورة كاملة سيبعد عرابى عن دقة و حقيقة ما يدور بالقاهرة. لعله أراد أن يبعد عن نفسه شبهة الضغط و التأثير على رأى اللجنة العرفية و لكن هذا أيضا خطأ ، لأن عرابى قرر الانفراد بالموقف السياسى و العسكرى عن الخديوى فلابد أن يمضى فى هذا الطريق إلى نهايته.
الجمعة 28 يوليو
زارنى عصر اليوم على باشا مبارك رئيس اللجنة التى أتت من القاهرة لإبلاغ الخديوى و رئيس الوزراء بقرارات اللجنة العرفية الشعبية. و كان على باشا مبارك قد مر فى طريقه إلى هنا بكفر الدوار و حاول اقناع عرابى باشا بالاستقالة درءا للفتنة و توحيدا لكلمة البلاد على أن تحفظ كل حقوقه و رتبه و نياشينه و احترامه لكن عرابي رفض بشدة و لكن بعد مداولات طويلة لمس فيه بعض اللين. و أخبرنى على باشا مبارك عن لقائه أمس بالخديوى و وجده ثائرا على هذه اللجنة العرفية التى انتزعت منه سلطاته بغير حق و أخبره أنه لن يقبل بأقل من كف عرابي باشا عن كل الاستعدادات الحربية و إذعانه لسلطة الخديوى.
أخبرنى أيضا بشعوره بالاحباط لتباعد موقفي الطرفين و أن هذا سيتسبب فى حالة فوضى فى البلاد وأنه يشك كثيرا فى قدرات الجيش المصرى وتدريبه وسألنى نصيحتى عن استمراره فى مهمته أم يتوقف وهل يعود للقاهرة أم ينحاز للسلطة "الشرعية" للبلاد ؟.
قلبت معه الأمور على كافة وجوهها ، و قد بهرنى عقل الرجل و حسن سياسته و رأيت أنى أجلس مع أحد عقلاء الأمة ووجدته على وعي سياسي رفيع و دراية بالتاريخ و الجغرافيا تعطيه عمقا فى التعامل مع هذا الموقف المتأزم فى مصر و قد انشقت إلى سلطتين و إلى دولة داخل الدولة.
وبرغم عاطفتي الشديدة مع عرابي باشا إلا أنى نصحت على باشا مبارك فى نهاية الأمر أن يبقى هنا فى الإسكندرية و ظننت أن وجود هذا الرجل قريبا من الخديوى ستكون له آثار مفيدة.

الأحد 3 أغسطس
قرأت اليوم لدى قنصليتنا موجزا لبوادر فتنة مصرية مصرية. إذ جمع السكرتير العام للقنصلية بعض خطب أئمة المسلمين فى صلاة الجمعة الفائتة ، و قد تباينت جدا و تراوحت بين وصف عرابى باشا بأنه خائن للأمة مضيع لدماء المصريين عاص لحاكم مصر الخديوى توفيق و خارج على السلطان العثمانى و حتى أنشد بعضهم فى مساجد الإسكندرية :
تبين عقبى غيه كل معتدى ....... و أمسى العرابى و هو بالذل مرتدى
بينما انتصر فريق آخر من مشايخ المسلمين لعرابي باشا و رأوا فيه منقذ البلاد من الهلاك و الدمار و رأى بعضهم أنه الموعود الإلهى الذى يرسل على رأس كل مائة سنة ليجدد لأمة المسلمين دينهم. و رأى بعضهم فيه باعثا للأمة قامعا للفساد ، و لم ينقصهم الشعر أيضا ، و هناك عشرات القصائد التى تدندن حول هذه المعانى ، كقول أحدهم :
إذا ما راية رفعت لمجد ....... تلقاها عرابينا يمينا
و قول آخر :
يا صاح قم و أشكر إلهك و احمدِ ... فالدين منصور على يد أحمدِ
و لم يتأكد لى هل هذا التباين نابع فعلا عن قناعات فكرية ، أم أنه يعكس تدهور الوعي السياسي في هذا الخطاب الدينى المتشنج. و الأمر جديد بالنسبة لى ، فقد نشأت فى بلاد لا علاقة للكنيسة فيها البته بالأحوال السياسية فى أوروبا.
السبت 19 أغسطس
بلغنا اليوم أن القوات الإنجليزية انقضت على قناة السويس و قامت بقطع أسلاك الاتصال التلغرافى بين بورسعيد و السويس و لم تلتفت إلى اعتراضات المسيو ديليسبس مدير الشركة الفرنسية التى تدير القناة بضرورة احترام حياد القناة كمرفأ عالمى لطرق التجارة.
انجلترا الآن تنفرد بالتهام مصر و تضرب بالإعتراضات الأوروبية عرض الحائط.
الثلاثاء 29 أغسطس
كان أمس يوما حزينا آخر فى التاريخ المصرى الحديث. فقد وقعت مذبحة شنيعة أمس فى منطقة القصاصين قام بها الجنرال جراهام الذى حاصرت الأهالى قواته غرب الاسماعيلية فطلب إمدادات و ذخائر فوصلته على وجه السرعة مساء أمس مما مكنه من إعمال القتل فى الأهالى فسقط العشرات منهم قتلى فى ساعة زمان.
أعتقد أن هذه الأنباء المأساوية ستزيد من عزيمة عرابى و جيشه الذين يتمركزون الآن فى التل الكبير لمنع القوات الانجليزية من التوجه للقاهرة.
الأحد 3 سبتمبر
قرأت اليوم عشرات المقالات فى الصحف الأوروبية الصادرة الأحد الماضى و قد أذهلتنى مقالات انجليزية عديدة تبرر السياسة الانجليزية لأنها فى النهاية تصب فى جعل المصريين أكثر تحضرا و تمدينا.
ألاحظ مما أرى - أن الدول الليبرالية الكبرى فى الغرب - التى يعد التصرف فيها ضد الإرادة الجماهيرية أمراً خطيراً ومتهوراً و رجعيا - قد ارتكبت خطأ جسيماً بمعاملة مصر التى ادعت أنها تعمل على تمدينها وتحريرها - كسكان من العبيد غير القادرين على اختيار الرئيس الذى يناسبهم .. و أتساءل عما ستفعله القوى الدستورية الكبرى التى ارتكبت خطأ إغفال شعور الأمة المصرية أمام ذلك التعبير عن الإرادة الشعبية
إن ما أعاينه الآن هو طبائع الاستبداد و لكن على الطريقة الأوروبية الحديثة.
الأربعاء 13 سبتمبر
استيقظت اليوم على خبر تلغراف عاجل وصل قنصليتنا يفيد بهزيمة الجيش المصرى قبل فجر اليوم فى معركة خاطفة فاجأ فيها الجنرال جارنت ولسلي قائد القوات البريطانية المصريين أثناء نومهم و هزموهم فى خلال ساعة واحدة و أن عرابى باشا – على غير المتوقع – قد فر مع عدد كبير من الجنود إلى القاهرة.
لم أكن أتوقع أن تصمد قوات المصريين طويلا أما الزحف الانجليزى الذى يفوقها فى كل شيئ ، لكن لم أتوقع أن يتم الأمر بهذه السرعة. لا أعرف ما الذى حدث بالضبط ، لكن من المؤكد أن تهاونا ما فى قيادة القوات هناك قد بلغ حدا مهينا.
الخميس 14 سبتمبر
قررت صباح اليوم السفر للقاهرة. لن أرضى بعد اليوم بالاكتفاء بموقع المشاهد و المتابع و المراقب. سأحاول الوصول لعرابى باشا و أساعده فى القرارات الصعبة المقبلة.
لحقت بقطار التاسعة صباحا ، و لفت نظرى قلة الركاب و قلة المنتظرين للقادمين من القاهرة. يبدو أن تتابع الأحداث قد جعل الناس فى حيرة يترقبون على أى وجه ستنتهى قبل أن يقرروا الجهة التى يستقرون فيها.
وصلت القاهرة و توجهت رأسا إلى بيت طلبة باشا و وجدته فى حالة يرثى لها من الإحباط و الخوف. طلبت منه أن أذهب لعرابى باشا فأخبرنى أنه ينتظره الآن فى أى لحظة. حدثنى طلبة باشا عن المجزرة التى تعرض لها الجيش فى التل الكبير و أن حوالى ألفين قد لقوا مصرعهم فى معركة استمرت ساعة واحدة.
وصل عرابى باشا فى حوالى السابعة مساء منهكا مكدودا قد انطفأ لمعان عينيه الذى تعودت أن أراه فيه. شعرت بارتياحه لرؤيتى. رمى بنفسه على أقرب مقعد و أخذ نفسا عميقا و قال ( انتهى كل شيئ .... المجلس العرفى اختار استمرار المقاومة و لكنى عجزت عن جمع ألف جندى فرجعت إليهم بالخبر فقررنا جميعا التسليم للقوات الانجليزية و بإرسال التماس بالعفو للخديوى توفيق.... ).
كنت أتوقع هذه النهاية المؤسفة منذ رأيت الأداء السيئ و الأخطاء السياسية و العسكرية البالغة بعد مذبحة الإسكندرية .. و مع ذلك جرحتنى كلمات عرابى باشا لأنى رأيت فيها النهاية السعيدة للظالمين المغتصبين.
قلت :
- لماذا الاستسلام بهذه السرعة ؟ لديك قوات لم تمس في كفر الدوار والقاهرة ودمياط ؟
- طلبة عصمت قائد كفر الدوار - كما ترى - أضطر للحضور إلى القاهرة و القوات هناك ضباطا و جنودا بلا قيادة.
- بلغنا أن عبد العال باشا حلمى قائد دمياط رفض التسليم و صمم على المقاومة ، أعتقد أن الفرصة ما زالت متاحة للمقاومة و يمكنكم أن تنحازوا للصعيد فالمؤن و الذخيرة و الأسلحة متوفرة.
- انتهى كل شيئ و سأبلغ الجنرال ولسلى باستسلامنا.
أعدت الضغط على عرابى باشا لعله يتماسك ويرى أن هذا الانسحاب المتتابع سياسة خاطئة والتسليم بهذه السرعة لن ينفعه ، و لكن كان الإحباط السياسي قد بلغ مداه. وقد رأيت ما تفعله السياسة بالرجال. فعرابي باشا مر بتجارب سابقة أكثر مرارة و خطورة وقد حكى لى منذ سنتين ما حدث له فى حملة الحبشة عام 1876 و التى كان مسئولا فيها عن الإمداد و التموين و قد عاين هزيمة منكرة للجيش المصري على يد قبائل مدينة مصوع و رأى بعض زملائه وقد ذبحوا ومثل بجثثهم و من نجا منهم من القتل قطعت مذاكيرهم بقسوة بالغة ، ومع ذلك أدى ما عليه و تماسك وتعامل باحتراف عسكرى مع تلك الهزيمة.
لما يأست من اقناعه قلت :
- إذا كنت مصرا فأرى أن تسارع بتسليم نفسك كأسير حرب ، فإن هذا سيوفر لك حدا أدنى من حسن المعاملة كمحارب تم أسره وإلا فسيتم معاملتك كخائن للبلاد و عاص للسلطان العثمانى ..
أشحت بوجهى و لم أستطع مطالعة الأسى و الفشل و الانكسار فى وجه عرابي باشا. و اعتقدت أنى أراه الآن للمرة الأخيرة.
نبتت دمعة أو دمعتان فى محاجر عينى التى لم تعرف الدمع منذ سنوات بعيدة ، ولكن سرعان ما ارتشفتها.

الجمعة 15 سبتمبر
نهاية حقبة فى تاريخ مصر و بداية أخرى.
دخلت القوات الانجليزية صباح اليوم القاهرة ، و استسلمت عاصمة البلاد بلا أدنى مقاومة ، و قام عرابى باشا بتسليم نفسه طواعية للانجليز.
عدت فى قطار السادسة مساء إلى الإسكندرية و الدوار يصيب رأسى. سمعت بعض النكات المريرة من بعض المصريين في القطار و هى أقرب ما تكون من فن الكوميديا السوداء الذى بدأ يظهر فى فرنسا.
الأربعاء 11 أكتوبر
بدأت اليوم التحقيقات الصورية الهزلية لعرابى ، بعد أن انتهت مع رفاقه من العسكريين و الوزراء السابقين و مشائخ الأزهر وغيرهم ممن اكتظت بهم سجون العاصمة. و قد تعمد المحققون أن يؤخروا عرابى بعد كل المتهمين الآخرين حتى يواجهوه بأقوالهم و يصطنعوا من ذلك عرائض اتهام ضده.
تابعت أخبار التحقيقات بضيق شديد ، وفضلت البقاء فى الإسكندرية حتى لا أرى هذه المهزلة و لا أشهد انكسار الحق و انتفاش الظلم.
الأحد 21 أكتوبر
طالعت اليوم فى الجرائد الإنجليزية تفاصيل جلسة مجلس العموم الصاخبة و التى أكد فيها رئيس الوزراء ويليام جلادستون مرة بعد مرة أن قوات بلاده لا تنوى احتلال مصر و أنها فى مهمة محددة لاعادة السلطة " الشرعية " للخديوى و استتباب الأمن في مصر. تعالت صيحات بعض نواب المحافظين : كذاب كذاب.
فى نفس الجلسة طلب جلادستون من مجلس العموم الموافقة على تخصيص مليونين و نصف مليون جنيه استرليني لتغطية الحملة العسكرية في مصر.
الخميس 9 نوفمبر
بلغتنا أخبار اليوم من قنصليتنا أن اتفاقا تم سرا بين الانجليز بمباركة وزير خارجيتهم وعرابي باشا بأن يعترف بعصيانه للخديوي و أن ينفى "بكرامة" إلى خارج البلاد.
الأحد 3 ديسمبر
صدر اليوم الحكم بإعدام عرابى ثم خفف فى الحال بعفو من الخديوي إلى النفي الدائم إلى جزيرة سيلان وأن تصرف له ألفان من الجنيهات سنويا طيلة عمره ولأولاده من بعده.
أنتهت المسرحية القضائية الهزلية.
الإثنين 25 ديسمبر
تم تجريد عرابي و رفاقه اليوم من رتبهم العسكرية تمهيداً لنفيهم.
أورطة الجنود الذين اصطفوا أمام مراسم التجريد لم يتمالكوا أنفسهم و انخرطوا فى البكاء.
الأربعاء 27 ديسمبر
لم أشأ رؤية الأسد الجريح. سافر اليوم عرابي و رفاقه و أسرهم و خدمهم إلى جزيرة سيلان جنوب شبه القارة الهندية فى نهاية مؤلمة لمحاولة بعث الشخصية الوطنية فى مصر.
الأحد 21 يناير 1883
قرأت اليوم تقريراً آخر بجلسة مجلس العموم البريطاني و فيه تأكيدات أخري من وزير الخارجية بأن أجل القوات الانجليزية فى مصر محدود للغاية.
يونيو 1883
قرأت تقريرا فى جريد التايمز الصادرة الأحد الماضى ، عن جلسة برلمانية أخرى ساخنة في لندن شن فيها زعيم المعارضة من حزب المحافظين اللورد راندلف تشرشل هجوما قاسيا على رئيس الوزراء المستر جلادستون اتهمه فيها صراحة أنه يحمي خديوي مصر مع أن يديه ملطخة بدماء الأوربيين و المصريين الذين قضوا حياتهم فى أحداث 11 يونيو العام الماضى و التى قام الخديوي بتدبيرها مع عمر لطفي محافظ الإسكندرية. وكشف النقاب عن برقية أرسل بها الخديوى إلى عمر لطفى جاء فيها ( .. لقد ضمن عرابي الأمن العام و نشر ذلك فى الجرائد و قد تحمل مسئولية ذلك أمام القناصل فإذا نجح فى مهمته و ضمانه ، فإن الدول سوف تثق به و سوف نفقد بذلك اعتبارنا يضاف إلى ذلك أن أساطيل الدول فى مياه الإسكندرية و أن عقول الناس فى هياج و أن الحرب وشيكة الوقوع بين الأوروبيين و غيرهم ... و الآن فاختر لنفسك هل تخدم عرابيا فى ضمانه أم تخدمنا ؟ ).
لم ينس جلادستون التأكيد على أن قوات بلاده " لن تمكث لحظة واحدة بعد استتباب الأمن فى مصر ".
لقد رأيت عمر لطفى منذ أيام – وهو الآن وزير الجيش و البحرية – يتهكم على عرابي باشا فى عشاء جمع قناصل الدول في الإسكندرية.
أول يناير 1887
فى الخطاب السنوى للملكة فيكتوريا ، أعلنت أن شرف بريطانيا العظمى يأبى أن تكون نية بلادها احتلال مصر. وأنها ستأمر قوات بلادها بمغادرة مصر فور التأكد من تمكن أبناء البلاد من حفظ أمنها والإلتزام بتعهداتها الدولية.
د. محمد هشام راغب
h@el-wasat.com