الثلاثاء 25 صفر 1431 هـ 09 فبراير 2010 - 05:19 مساء - رئيس مجلس الإدارة : د.محمد هشام راغب - رئيس التحرير : عاطف زيدان
 
جريدة الوسط اليومية
     شحاتة: الموت جوعا أشرف من تدريب منتخب إسرائيل      عدد القتلى البريطانيين بأفغانستان تجاوز خسائر حرب الفولكلاند     الوسط ينشر نتيجة الصف الثالث الإعدادي بمحافظة الإسكندرية للفصل الأول 2010     اعتماد نتيجه ابتدائيه حلوان     تويوتا تستدعي 436 ألف سيارة هجين في أنحاء العالم     مشعل : أميركا تعرقل المصالحة الفلسطينية     بابا الفاتيكان يقر بتعرض أطفال لانتهاكات جنسية على يد قساوسة كاثوليك     فوز يانكوفيتش الموالي لموسكو برئاسة أوكرانيا     الأن نتيجة الصف السادس الإبتدائى لمحافظة 6 أكتوبر      الأن نتيجة إعدادية الأسكندريه                السياسة تلعب دورا في مشاكل تويوتا ولا حروب تجارية       تويوتا تضيف طراز بريوس الجديد لقائمة السيارات التي تستدعيها       صحيفة: رينو ستبني مصنعا في الجزائر                نتائج الاعدادية     إلغاء التدريس..بنظام الحصة      تنظيم "الموتمر العلمى الثانى الدولى"بكلية اللغة العربية فرع الزقازيق            طوكيو تستضيف نهائي دوري أبطال آسيا 2010      القبض على تنظيم إجرامي في ايطاليا استهدف مورينيو     غزل المحلة يلحق بالأهلي هزيمته الأولى في الدوري الممتاز                    نوكيا تطرح هاتف جديد     Mozilla تسحب إضافتين من متصفح فايرفوكس لاحتوائها علىTrojan     كنجستون تطلق جيلاً جديداً من أقراص الحالة الصلبة           - للحصول على اخبارنا اضغط هنا
 
مذبحة الإسكندرية - الحلقة الأولى
 
 
أحدث الفيديوهات

الشرطة الروسية فى قفص الإتهام بعد سلسلة فضائح

مناظرة رائعة للشيخ أحمد ديدات مع القس شوبرج

حلقة كوميدية جداً من حلقات : مستر بينز
31 يوليو 2007 - 03:19 مساء
 

قصة قصيرة حقيقية

أوراق خاصة جداً

 الثلاثاء 6 يونيو 1882

مر عليَّ فى الثامنة صباحًا القنصل السويسري واصطحبنى معه فى عربة القنصلية. طالعت وجهه فى نظرة خاطفة ورأيت التوجس و القلق باديا عليه. سألته عن طبيعة الاجتماع الذى دعانا إليه على عجل المستر "كوكسن" قنصل إنجلترا فى الإسكندرية ، فقال :
- لا أعرف التفاصيل ولكن المستر "كوكسن" شدد على سرية الاجتماع وعلى ضرورة عدم تسريب خبره إلى المصريين.
- هل تعتقد أن الاجتماع له علاقة بالأسطول الإنجليزى المرابط بالإسكندرية منذ ثلاثة أسابيع ؟
- ربما ، الإشاعات والظنون تملأ الدوائر الدبلوماسية.

شعرت أن الرجل لا يرغب فى مزيد من الكلام وأن القلق يمنعه من التركيز فلذت بالصمت وأطلقت نظرى للطريق الممتد أمامنا من المنشية باتجاه رأس التين. كانت الشمس فى هذه الساعة المبكرة زاهية و فتية كعادتها. من أحلى الأشياء التى تربطنى بمصر هذه الحرارة حتى فى شهور الصيف.  لا أمل أبدا من دفء حرارتها.  لأول مرة الآن طوال هذه السنوات أرى أن إقامتى فى مصر ربما تكون قد اقتربت من نهايتها. الأجواء مشحونة جدا فى الإسكندرية ومع مطلع الأسبوع الماضى توافد على الإسكندرية مئات الأوروبيين من القاهرة و القناة.

منذ أسبوع أرسل الأميرال سيمور قائد الأسطول الإنجليزى المرابط كالشبح أمام بوغاز الإسكندرية رسالة إلى حكومته يشتكى أن المصريين قد نصبوا بطاريات صواريخ تجاه البوارج الإنجليزية مما يمثل تهديدا خطيرا لها. توجست جميع القنصليات الأجنبية شرا بخبر هذه الرسالة و قد خمنت أن سيمور قد بالغ فى رسالته لنية سياسية مبيتة. و مع هذا أصطحبنى أمس بعض الضباط المصريين فى جولة على القلاع المختلفة و رأيت أن الصواريخ المركبة عليها كما هى لم تتغير منذ عشرات السنين سوى بعض الترميمات. هذه الأحداث المتلاحقة جعلتنى أفكر لأول مرة منذ هجرتى لمصر أن أيامى ربما تكون معدودة هنا.

مشاعر عجيبة بدأت تنتابنى ، لفتنى كآبة كلما تذكرت جنيف و لأول مرة أشعر بخوف حقيقى على مصر و أهلها الذين لا يدركون حقيقة ما يدور الآن ، و حتى ساستهم لا يقدرون حجم الأحداث و تداعياتها. رأيت أحمد عرابى باشا منذ ثلاثة أيام و اندهشت لتأكيده أن البوارج الإنجليزية مجرد استعراض للقوة و للتهديد و لكنها لن تقوم بأى عمل عسكرى و أنها أمة محبة للسلام  و أن فرنسا لن تسمح لها على أى حال.

لقد بدأت أرى فى عيون العامة و الرعاع نظرات جديدة تجاهنا فيها غيظ و حنق ، و هى انفعالات فطرية و كأن لديهم حاسة سادسة تفوق معارف ساستهم و قادتهم.

توقفت الخيل التى تجر عربتنا و صدر عنها زفير طويل يؤذن بوصولنا إلى القنصلية الإنجليزية ،استقبلنا المستر كوكسن على باب الشرفة الأمامية و رحب بنا و لم تظهر عليه دهشة لرؤيتى برغم أنى لست موظفا رسميا و لكنه تعود على رؤيتى فالسويسريون يعتبروننى عميدا لجاليتهم فى مصر.

اجتزنا الحديقة الأمامية و داعبت رائحة الفل الرائعة أنوفنا قبل أن ندلف إلى البهو الرئيسى و وجدنا كل مندوبى  القنصليات قد حضروا قبلنا ،  تناولنا  الشاى وقوفا ، و حاول كوكسن أن يبدد جو التوتر و الترقب البادى على الجميع و أخذ يحكى أقوالا غير مأثورة عن رئيس حكومته  ويليام جلادستون  (اذا كنت بردانا ، فإن الشاي سوف يدفئك .. واذا كنت تعاني من الحر وجسمك ساخن فإن الشاي يلطف جسمك.. واذا كنت مكتئبا فإن الشاي سوف يبهجك .. واذا كنت منهكا ، فإن الشاي يريحك ويهدئك. ). و ضحك وحده.

و قف كوكسن إلى جوار نافذة صغيرة و تعلقت العيون به ، أخذ فى البداية يلقى علينا محاضرة طويلة حول الارتباك الحادث فى مصر و ضعف الخديوى توفيق و تكالب العرابيين عليه ، و كيف أن حتى إقالة وزارة البارودى و تولى الخديوى بنفسة رئاسة الوزارة لم يغير من الأمر شيئا. و أن الإضطراب الأمنى فى مصر يهدد مصالح بلاده و ديونها و أن عدم التزام مصر بتعهداتها يخرق النظام العالمى و يشيع عدم الثقة بين الدول. ظل يدندن حول هذه المعانى حوالى نصف ساعة و الكل يترقب ماذا بعد هذا التمهيد ، أما أنا فكنت طول الوقت أتعجب من قدرة الرجل أن يتكلم بغير ما يريد و فى لحظات انفعالاته القليلة بدا لى أنه يصدق نفسه و تنطلى عليه أكاذيبه.

 بدأ بعد ذلك يكلمنا عن المخاطر الشديدة التى تتهددنا – نحن الأوروبيين -  فى مصر و تهدد ممتلكاتنا و أعمالنا و أموالنا ، مررت بعينى سريعا على الحاضرين و تأكد لى أنهم يشاركوننى فى عدم التأثر بادعاءات كوكسن و لكن الجميع لزم الصمت بانتظار المطلوب من هذا الاجتماع السرى ، و لا أعرف كيف سيبقى سريا و قد حضره حوالى ثلاثون موظفا من بضع جنسيات.

فى اللحظة التى ظننا أنه لن ينتهى ، فاجأنا كوكسن بطلب محدد : ( إننى أطلب من حضراتكم الموافقة على تكوين تحالف دولى ضد مصرلحماية مصالح  الرعايا الأوروبيين فى مصر و أن تتكون قوة دفاع أوروبية مشتركة لهذا الغرض .. ).

علت همهمات من كل نواحى البهو و انكب موظفو كل قنصلية على أنفسهم يتشاورون و قد صفعتهم مفاجأة الطلب. نظر إلى القنصل السويسرى و سألنى بعينيه كيف نرد على هذا الاقتراح المجنون؟ ، شعرت فجأة أننى ينبغى أن أسارع بالرد قبل أى قنصلية أخرى  و حسبت أن الوقت ليس فى صالح الإنجليز لهذه المناورة المكشوفة. قلت ( فكرة صائبة ، و لكنها ستحتاج لأسابيع للموافقة عليها من قبل القادة السياسيين لحكوماتنا .. ) ، ساد صمت للحظات ثم تعالت أصوات عديدة تؤيد رأيى الذى يبدو أنه أراحهم من عناء الصدام مع الاقتراح. تميز كوكسن غيظا و تبادل نظرة سريعة مع القنصل الفرنسى الذى لم تبد عليه أى علامات تأييد أو اعتراض.

فى طريق العودة ، تسارعت الأفكار و تأكد لى أن صفحة عاتية من التاريخ على وشك أن تفتح.


الأحد 11 يونيو

أحب كل أحد قضاء النهار كله فى بيتى أتصفح  جرائد الأحد الماضى التى تصلنا عادة ليلة السبت التالى مع بريد القنصلية ، لم أجد فى الجرائد الانجليزية شيئا يذكر عن الأحداث فى مصر ، فتشت فى كل الصفحات الداخلية و لم أجد أى توقع لاضطرابات فى الحالة المصرية. تذكرت أن العواصف عادة يسبقها هدوء مماثل. فجأة وجدت خادمى " سليمان " يندفع داخلا و هو يلهث ( مسيو ، أرجوك لا تغادر مكانك ، هناك اطلاق نار عشوائى فى المكس و الكورنيش و سمعت أن قتلى كثيرين سقطوا ... ) ، أسرعت إلى سطح البيت و تلفت فى كل اتجاه ، لم أر شيئا و لكن صيحات كانت تتعالى من على بعد ميلين تقريبا. فكرت فى النزول للشارع لكن غموض ما يجرى حجزنى ، و لأول مرة لا أشعر بالأمان على حياتى فى مصر.

بعد ساعة بدأ بعض الأصدقاء يتوافدون إلى بيتى بروايات متضاربة عن قتال دار بين مصريين و أجانب و طال حياة العشرات و لم يعرف سببه. تنوعت التفسيرات للحادث و لكن المعلومات الدقيقة كانت شحيحة.

فى التاسعة مساء جاءنى ضابط  أرسله  محافظ الإسكندرية " عمر بك لطفى " يطلب منى الحضور فى الصباح للمحافظة للحضور  شاهدا للتحقيقات فى أحداث اليوم.

علمت من سفارتنا أيضا أن اجتماعا عاجلا عقد فى المساء و حضره القناصل فى الأسكندرية و كبار ضباط الجيش و أنهم تعهدوا بإعادة الأمن و النظام للإسكندرية بشرط عدم تدخل الأسطولين الإنجليزى و الفرنسى فى الأحداث. فطالب القناصل قائدى الأسطولين بألا تكون لهما تدابير قوة ظاهرة. و شددوا فى نفس الوقت من لهجة التهديد لضباط الجيش المصريين.

 


الاثنين 12 يونيو :

توجهت فى الثامنة صباحا لمبنى المحافظة و أنا أقلب فى رأسى الأسباب المختلفة وراء دعوتى لحضور التحقيقات ، السبب الأكثر وجاهة هو إعطاء مصداقية أكبر للتحقيقات فى وجود شاهد أجنبى محايد مثلى ، و لكن تسارع الأحداث و ضعف خبرة المحافظ عمر لطفى السياسية جعلتنى أرتاب فى انتباهه لهذه اللفتة الدقيقة وسط هذا الحادث العاصف. ثم إن الرجل عموما يثير الريبة بشكل ملفت و لا أثق فى وظيفته الظاهرة.

استقبلنى عمر لطفى بحفاوة شديدة ، و اصطحبنى مباشرة إلى مكتب بالدور العلوى حيث احتشد عدد كبير من الضباط و الجنود ، و رأيت حوالى عشرة من الأهالى واضح عليهم أنهم جاءوا إلى هنا بالإكراه و رأيت  مندوبا عن القنصلية البريطانية و آخر عن القنصلية اليونانية و التى كان قنصلها قد أصيب فى الأحداث مع المستر كوكسن القنصل البريطانى الذى أصيب أيضا بضربة عصا فشجت رأسه.

و قد تعين لمباشرة التحقيق بطرس باشا غالى و وكيل وزارة الجهادية يعقوب باشا سامى.  بعد ساعة من سماع أقوال الشهود و بعض المتهمين ، ظهر أن الحادث بدأ بنزاع بسيط بين مالطى استأجر حمارا من مصرى و لما أعاده فى منتصف النهار و دفع أجرته وقع خلاف حول الأجرة انتهى بأن طعن المالطى بسكين صاحب الحمار  فأرداه قتيلا و فر و احتمى بمبنى قريب يقطنه يونانيون و مالطيون و هاج المصريون و توجهوا لذلك المبنى الذى سرعان ما انطلقت منه طلقات نارية غزيرة و تسارع الهياج إلى المناطق المجاورة و استعر القتل فى الطرقات. و تبين أن 75 أوروبيا قد لقوا مصرعهم و 163 من الأهالى ، و بلغ عدد الجرحى عدة مئات.

بعد قليل وصل المالطى الذى فجر شرارة الأحداث فى حراسة انجليزية مشددة ، و أخذت أقواله التى ادعى قيها أن المصرى هو الذى بدأ بضربه. استمرت التحقيقات المملة طوال النهار ، و لم يلفت نظرى إلا خبر تغيب السيد بك قنديل رئيس الشرطة بالإسكندرية عن عمله أمس حيث أبلغ المحافظ بأنه كان مريضا.

انتهت التحقيقات قرب الغروب ، و انتابنى شعور بأننى موجود فى المكان الخطأ ، و أن ثمة قرارات تتخذ فى مكان آخر حول هذه الأحداث الدامية.

 

الثلاثاء 13 يونيو

فوجئنا  عند الظهر بدعوتنا لاستقبال الخديوى الذى وصل فجأة للإسكندرية للاصطياف السنوى !.  حضر الاستقبال جميع القناصل الأجانب ما عدا القنصلين الإنجليزى و الفرنسى اللذين فضلا المكث فى القاهرة. تكلم الخديوى كلمة مقتضبة عبر فيها عن أسفه الشديد لأحداث أمس الأول ، و تعهد ببذل كل جهد لاستتباب الأمن ، و أنه أتى خصيصا للإسكندرية لتهدئة مشاعر الأهالى و ليكون بجانبهم فى هذه الأوقات العصيبة. و عندما قال هذه الجملة الأخيرة ، تبادل عدة قناصل نظرات سريعة أفصحت عن يقينهم بأن الخديوى قد أتى فجأة ليكون قريبا من الأسطولين الإنجليزى و الفرنسى.

 

الخميس 15 يونيو

ارتفعت اليوم منشورات مطبوعة ألصقت فى الشوارع الرئيسية بالإسكندرية و جاء فيها ما نصه :

" ناظر الجهادية أحمد باشا عرابى يعلن كل سكان القطر المصرى من المصريين و الأوروبيين رسميا أن الحضرة الخديوية الفخيمة كفلت الأمن و الراحة  فى جميع جهات القطر أمام حضرات قناصل الدول المتحابة و تكفل ناظر الجهادية أيضا بصيانة الأرواح و الأموال و حفظ سكان البلاد على اختلاف طبقاتهم و معتقداتهم و تابعيتهم و قد انتقل الجناب الخديوى إلى إسكندرية بعائلته لدفع الأوهام من الأفكار و اطمئنان القلوب و بقيت أنا  بمصر لمراقبة الأحوال و السهر على حفظ الأمن و صيانة النفوس "

 

حتى الآن لا أفهم طبيعة العلاقة بين الخديوى و عرابى باشا ، لقد تصورت بعد حادث عابدين الشهير العام الماضى و الموقف الثورى لعرابى أمام الخديوى و على الملأ الشعبى ، تصورت أن عرابى لابد و أن يكون محتقنا و حانقا على الخديوى و فى المرات القليلة التى التقيته وجدته راضيا و مستسلما لسلطة الخديوى بالكامل ، و حتى هذا المنشور الذى كتبه فى هذا الوقت يصعب على فهمه ، خاصة و أن الرأى السائد الآن فى الإسكندرية أن أحداث 11 يونيو كانت طعنة موجهة لعرابى ليفقد مصداقيته و صلاحيته للقيادة و الوزراة. من الواضح أن عرابى باشا و رفاقه لم يقرأوا كثيرا عن الثورة الانجليزية و الفرنسية. لو سمع الليبراليون الأوروبيون عن الثوريين المصريين و علاقتهم بالخديوى لظنوا أنها دعابة سخيفة.


الجمعة 16 يونيو

سرت إشاعة قوية اليوم أن الخديوى قد أفصح للسير أوكلان كولفن المراقب العمومى الإنجليزى أنه يرى ضرورة وجود جنود انجليز للتأكد من حفظ الأمن فى البلاد. و قد أهاجت هذه الإشاعة مشاعر الأوروبيين و المصريين على السواء ، و بدأ نزوح الكثيرين صوب الإسكندرية.

تشكلت اليوم وزارة جديدة برئاسة اسماعيل راغب باشا و احتفظ عرابى باشا بحقيبة الجهادية ( الجيش )  و البحرية.

كيف يمكن لهذه الوزارات أن تقوم بأعبائها و هى تتغير خلال أسابيع قليلة ؟!

 

الأحد 25 يونيو

وصلنا تلغراف اليوم يشرح ما تم التوصل إليه فى مؤتمر عقد أمس بالآستانة و صدر عنه قرار مذيل بتوقيعات قناصل انجلترا و إيطاليا و النمسا و روسيا  و ألمانيا و فرنسا المعتمدين لدى الباب العالى ، و قد اتفقوا على التعهد بعدم اغتنام أى أرض مصرية أو الحصول على أى امتيازات تجارية لأى دولة بشكل منفرد.

تعجبت من موافقة قنصل انجلترا على هذه الصيغة ، و اعتقدت أنه قبل بها لكسب الوقت ليس إلا. و عندما عرضت الآستانة إرسال قوات لضمان حفظ الأمن فى مصر ، سارعت انجاترا لاشتراط أن تكون هذه القوات تحت إمرة قائد انجليزى ، الأمر الذى لم يكن بوسع الباب العالى قبوله. لقد استفحلت الآن علامات الشيخوخة  فى جسد الدولة العثمانية و ربما توارى التراب قريبا. و انجلترا و فرنسا ليستا فى عجلة من أمرهما و يفضلان ترك الآستانة للوفاة الطبيعية ريثما تتمكنان من تقسيم تركتها.

الخميس 29 يونيو

وصلتنا بالتلغراف صورة من خطاب القائم بأعمال القنصل العام الانجليزى مستر كارتريت إلى وزير الخارجية الانجليزى اللورد جرنفيل يبالغ فيها فى حجم التوتر الذى تشهده مصر و انفلات الأمن فيها.

 

الجمعة 7 يوليو


اطلعت على صورة خطاب سفيرنا لدى الباب العالى التى وجهها لحكومتنا يخبرهم فيها باقتراح المؤتمر الدولى فى الآستانة على تركيا بإرسال قوات لمصر لحفظ الأمن.

مشاورات مكثفة لعقد اجتماع صباح الغد يضم جميع القناصل الأجانب فى الإسكندرية.

اصطحبت زوجتى فى المساء و مشينا بموازاة الكورنيش و أضطررت أن أبوح لها بمخاوفى و توقعى للأسوأ خلال الأيام المقبلة. استقبلت كلامى بهدوء و قالت ( أرى أن نعيش بقية حياتنا هنا فى مصر مهما كانت الأحوال ... ). لقد تعلقت مثلى بهذه البلاد. طمأننى هدوءها برغم أنه هدوء لا يستند إلى أسباب سياسية أو عقلية. فى أزماتنا نحتاج كثيرا إلى مشاعر انسانية من هذا النوع.

زخات و رشاش الماء اللطيف كانت تقذف بها الأمواج و تتهادى فى الهواء حتى تصلنا  و تداعب وجوهنا و تستروح لها نفوسنا ، فظللنا فى مشينا إلى بعد منتصف الليل.

 

السبت 8 يوليو

المخاوف من هجوم انجليزى وشيك تخيم على البلاد ، و الاجتماع المقتضب للقناصل خرج برسالة موجهة للأميرال سيمور قائد الأسطول الإنجليزى يحذرونه من مغبة شن هجوم على الإسكندرية و أن ذلك من شأنه أن يلحق الضرر بأرواح و أموال و ممتلكات الأجانب فى مصر.

لا أعتقد أن القائد الانجليزى سيعير هذه المخاوف أى انتباه.

 

الأحد 9 يوليو

وصول تلغراف من الآستانة للخديوى توفيق يبلغه أن " باشكاتب السفارة الانجليزية حضر إلى الباب العالى و أخبره أن القوات المصرية تهدد الأساطيل الانجليزية فى ثغر الإسكندرية بتحصين القلاع و إقامة الحصون و أنها إن لم تتوقف فورا عن هذه الأعمال العدوانية فسيضطر الأميرال سيمور إلى اطلاق مدافعه على الإسكندرية فيدكها دكا و يهدمها عن آخرها ".

لغة الاستكبار فى الرسالة أزعجتنى و توجهت فور معرفتى بشأن هذا التلغراف إلى بيت طلبة باشا عصمت قومندان الإسكندرية الذى أكد لى أن هذه الاتهامات محض أكاذيب و أن كل ما جرى بالقلاع ترميمات سنوية معتادة ، و أخبرنى بأن عرابى باشا أجاب الخديوى على برقية الآستانة بنفس المعنى و تعجب أن الباب العالى لم يجبهم بهذا مباشرة. و اتفقت مع طلبة باشا عصمت أن يصطحبنى فى الصباح الباكر لتفقد هذه المواقع بنفسى..

توجه المستر كارتريت الليلة إلى الخديوى فى قصره برأس التين و أبلغه صراحة أن الأسطول الإنجليزى سيضرب الإسكندرية صباح بعد غد 11 يوليو و نصحه بأن ينتقل فورا إلى قصره فى سراى الرمل ليكون قريبا من الحماية الانجليزية و قد أبرق كارتريت لحكومته فى لندن بأنه " لا خوف على حياة الخديوى ... ".

كنت أحمل قدرا و لو ضئيلا من الاحترام الشخصى للخديوى و أرى فيه عاملا لاستقرار البلاد و قد دار بينى و بينه حديث طويل – و كانت معه زوجته أمينة هانم – و لمست فيه ثقافة عالية و كأنى التقطت من كلامه حبا لهذه البلاد و فى نفس الوقت لم أر أنه يملك شعورا بالانتماء لمصر. و لكن ما أراه الآن – على أى حال - من استجابته لتوجيهات القنصلية الانجليزية فى شأنه الشخصى سيجعل منه لقمة سائغة للنهم الانجليزى.

وصل رد من الأميرال سيمور على رسالة القناصل الأجانب يطمأنهم فيها و أنه لا ينوى إلا ضرب القلاع و الاستحكامات العسكرية و أنه لا خوف من انهدام منازل الأوروبيين. كان من الواضح أن ألفاظ الرسالة تقصد تخدير مخاوف الأوروبيين و لكن لم تفلح فى الحقيقة  فى تهدئة المخاوف و اكتظت الطرقات ليلا فى الإسكندرية بالأجانب النازحين إلى القاهرة و ملأوا محطة السكك الحديدية الرئيسية فى المدينة ، بينما توجه عدد غير قليل لبعض السفن الراسية فى المرفأ.

 

الاثنين 10 يوليو

وصل إنذار فى الصباح الباكر من الأميرال سيمور إلى قائد الإسكندرية طلبة باشا يخبره أنه سيدك الإسكندرية صباح الغد ما لم يقم بإنزال كافة المدافع و هدم جميع الاستحكامات. وصلت للقاء طلبة باشا فوجدته فى غاية الانزعاج ، و ما هى إلا لحظات حتى دخل عرابى باشا بوجه متجهم ، و قرأ الإنذار على عجل و قال إن اجتماعا سيعقد بعد قليل للوزارة للرد على هذا الإنذار و سيترأس الخديوى الاجتماع و سيحضره درويش باشا المندوب السلطانى.

التمست العذر لطلبة باشا أن يتخلف عن موعده لى بتفقد  مواقع الاستحكامات و لكنه أصر على القيام بها برغم الخوف المسيطر على المدينة الوادعة فأرسل معى ضابطين للقيام بهذه الجولة.  اتجهنا أولا إلى باب العرب و قد وجدنا الطابية المركبة فيها غاية فى التهالك و قد بدا على حاميتها الصغيرة كل علامات الترقب و القلق. توجهنا بعد ذلك لطابية المكس ثم العجمى و قلعة السلسلة و لم نر فيها أى تجديدات مؤثرة ، و كان من الواضح أن القول بتهديد هذه الاستحكامات العتيقة للأسطول الانجليزى مثيرا للضحك لولا أنه يقال على أعتاب الحرب.


عدت إلى بيتى بعد الظهر و مرورا بمكتب طلبة باشا و كان  قد رجع من اجتماع الوزراة و أبلغنى أنهم قد  رفضوا الإنذار الانجليزى و أنهم رأوا فى الاستجابة لهذا الإنذار إهانة و ذلا لا يمكنهم قبوله ، و أنهم أسفوا لقطع انجلترا للعلاقات الدبلوماسية و أن الحكومة المصرية كبادرة صلح ستقوم بإنزال المدافع من ثلاثة مواقع هى المكس و صالح و برج السلسلة. و أن وفدا برئاسة عبد الرحمن بك رشدى وزير المالية سيتوجه الآن إلى الأميرال سيمور يبلغه رد الحكومة المصرية . آثرت الانتظار عند طلبة باشا لأعرف الرد الانجليزى الذى لا أشك فى رفضه و أن الحكومة المصرية حتى لو استجابت لكل طلبات سيمور فلن يوقف هذا نيته على ضرب الإسكندرية.

أخبرنى طلبة باشا  أن هذا الاجتماع الوزارى الأخير قبل الحرب كان عاصفا ، و أراد الخديوى فى بدايته عرض اتفاقية للصلح مع انجلترا و لكن هذا الرأى أثار درويش باشا المندوب السلطانى الذى ضرب طاولة الاجتماع بقبضته و قال ( تسليم الحصون أمر يكسو المسلمين ثوب الخزى و العار ) و ابتلع الخديوى الإهانة و لم يشارك بعدها بفاعلية فى المناقشات. و قد اقترح  محمد المرعشلى باشا -  مدير عام التحصينات السابق سحب قوات الطوابى لأن تحصيناتهم لن تقاوم المدفعية الانجليزية أكثر من ساعات معدودة ، و أنه ينبغى التركيز على قوات المشاة بحيث تمنع أى انزال برى للقوات الانجليزية.  و يبدو أن هذا الرأى على وجاهته الظاهرة قد تجاهله المجلس المتوتر بلا مبرر. من المؤسف أن المجلس لم يعر اقتراح المرعشلى باشا الاهتمام الكافى. إن أصوات عقلاء الأمة كثيرا ما تنزوى فى أوقات الهياج السياسى.

و لقد عجبت غاية العجب أن ينعقد مثل هذا المجلس قبل ساعات من الحرب ليناقشوا خطة الدفاع عن البلاد !. مع أن الأسطول الانجليزى مرابط أمام السواحل المصرية منذ حوالى شهرين ، و من الواضح أنه قد أتى فى مهمة جادة و ليس لاستعراض القوة أو التهديد.

إننى دائما أوقن أن الجيش لا ينبغى أن يتدخل فى السياسة ، و أن القادة العسكريين إذا انشغلوا بالسياسة خسرنا مرتين. مرة لقصور مداركهم السياسية و مرة لانشغالهم عن مهامهم الأصلية ، و هو ما أراه الآن بوضوح فى شخص عرابى باشا. و ربما نلتمس له العذر فى أن قدر البلاد و انصراف ساسة البلاد عن الدفاع عن مصالحها الوطنية ، كل هذا دفع عرابى إلى عالم السياسة.

بعد ساعتين عرفنا أن سيمور لم يقبل الرد المصرى و زاد فى طلباته أمرين جديدين:

- أنه فى حالة انزال المدافع المصرية من كافة الاستحكامات فعلى الجنود المصريين هدم هذه المواقع بأيديهم.
- و أن يتم تسليم مواقع المكس و العجمى و ما وراءها من الأراضى لاتخاذها معسكرات دائمة للقوات الانجليزية.

زادت طلبات سيمور من الازدراء  للمصريين الذين تلقوا هذه الطلبات الجديدة بمزيد من الشعور بالمذلة و الهوان. أمر عرابى باشا قواده و طلبة باشا بالاجتماع فورا ليسهروا طوال الليل لينظروا فى الاجراءات التى سيتخذونها للدفاع عن البلاد. تركت المكان و توجهت لقنصليتنا فى رأس الرمل حيث وجدت القنصل مجتمعا بكل موظفيه و كانوا يستعرضون تلغرافا برسالة وجهها وزير الخارجية الانجليزى اللورد جرنفيل وجهها للباب العالى بإنذار نهائى بضرب الإسكندرية خلال أربع و عشرين ساعة إذا لم يكف المصريون عن التظاهر بالعدوان ..

استمعت لنص الرسالة و صور الجنود المصريين التى شاهدتها منذ ساعات  ماثلة فى ذهنى بأجسامهم النحيلة و وجوههم البائسة و أسلحتهم العتيقة المتهالكة. و كنت قد رأيت العديد من هؤلاء الجنود من الأنفار الذين تم تدريبهم على عجل و انضموا بصورة متسرعة لصفوف الجيش.  و برغم شعورى المحايد دائما ، إلا أن شرارة الغضب بدأت تتقد فى صدرى لهذا الظلم البين و هذه الأكاذيب المذهلة. و لقد أدهشنى حجم الدهاء فى سياسة الانجليز بما تتضمنته رسالة اللورد جرنفيل عن أن المصريين يهددون الأسطول الانجليزى خلافا لرغبة الخديو الذى يرفض هذه الاجراءات و الاستحكامات العسكرية.  و لا أعرف إن كان هذا الدهاء قد حرض الباب العالى على الوطنيين المصريين مع أن خاتم الخديوى لم يجف بعد على رسالته التى رفض فيها الإنذار الانجليزى.

أخذ قنصلنا فى مشاورات طويلة حول أنسب الأماكن التى يلجأ إليها الرعايا السويسريون أثناء القتال غدا. لم أجد لنفسى مكانا مناسبا فيما عرضه القنصل ، و اجتاحتنى رغبة عارمة أن أكون غدا فى العراء مع المصريين أشهد و قائع الحرب  و لعلى أكون الأوروبى الوحيد الذى يخرج من حياده و ينحاز للمظلومين.

 

يتبع في الحلقة الثانية والأخيرة ....

 

د. محمد هشام راغب

h@el-wasat.com 

Bookmark and Share
تعليقات القراء
أضف تعليق
الإسم
عنوان التعليق
التعليق

من فضلك أدخل الكود التالى
أرشيف وثائق ودراسات
2009-07-11 |
2009-06-28 |
2009-05-13 |
2009-03-03 |
2009-02-22 |
2009-02-16 |
2009-01-20 |
2009-01-13 |
2009-01-12 |
2009-01-05 |
2008-12-24 |
2008-12-13 |
2008-12-04 |
2008-12-01 |
2008-11-29 |
2008-11-22 |
2008-11-02 |
2008-11-02 |
2008-10-29 |
2008-10-27 |
2008-10-26 |
2008-10-21 |
2008-10-18 |
2008-10-12 |
2008-10-08 |
2008-09-30 |
2008-09-27 |
2008-09-24 |
2008-09-22 |
2008-09-18 |
2008-09-14 |
2008-09-14 |
2008-09-14 |
2008-09-07 |
2008-09-03 |
2008-08-30 |
2008-08-20 |
2008-08-09 |
2008-08-02 |
2008-07-08 |
2008-06-25 |
2008-06-21 |
2008-06-16 |
2008-06-14 |
2008-06-10 |
2008-06-04 |
2008-06-01 |
2008-05-29 |
2008-05-27 |
2008-05-25 |